علم اجتماع المخاطر و Covid-19
سيصبح هذا الحدث) انتشار فيروس كورونا) علامة مهمة في تاريخ البشرية وستتناوله معظم مجالات المعرفة بالنقاش والحديث من حيث الاسباب والتفاعلات الحالية وكذلك الآثار المستقبلية القريبة منها والبعيده . فهي لحظة كونية كوزموبوليتانية بامتياز. اتضح فيها عجز النظم الحالية عن تحقيق الأمن المطلق للبشرية.
الى وقت قريب كان هناك اهتمام محدود من علم الاجتماع للحوادث باعتبارها امور عرضية (تحدث نتيجة الصدفة) الا انها وجدت لها بعض الاهتمام في علم الاجتماع التجريبي والنظرية الكلاسيكية وكان التركيز في معظم فروع علم الاجتماع على دراسة اثارها، ولكن بعد اعادة تعريف الاحداث مرة اخرى بأنها ليست عرضية وليست ناتجة عن الصدفة وأن هناك تلاحقا بينها، زاد الاهتمام بدراستها والفضل في ذلك يرجع للانثروبولوجيين في اوائل القرن العشرين حيث اعتبرو الحادث او التوقع بانه يمكن ان يكون مؤشر مفيد للتفريق بين المجتمع البدائي والمجتمع الحديث في الانثروبولوجيا Iain Wilkinson,2005) )، وبالتالي تحولت الحوادث من كونها مصائب عشوائية لا يمكن فهمها الى مخاطر يمكن الوقاية منها او التحكم في اثارها. واصبح وقوع الحادث مؤشر على ان المخاطر لم تتم ادارتها بشكل جيد. في الثقافات الغربية تم وصف النصف الاخير من القرن العشرين على انه حقبة التقلب وعدم اليقين والتغير الاجتماعي السريع.فما نشاهده اليوم من احداث يشكل نهاية موجة معرفية وبداية اخرى اشار اليها كثير من علماء الاجتماع من انصار التحديث الانعكاسي (واشهرهم Giddens Anthony على سبيل المثال). لقد نفضت هذه الجائحة ( Covid-19 ) الكثير من الغبار عن النظريات والافكار التي نشرها المتخصصون في علم اجتماع المخاطر وحديثهم المستفيض عن مجتمع المخاطر العالمي وتوقعهم لمثل هذه الكوارث ولعل ابرزهم واهمهم (Ulrich Beck ) فيصفون العالم الذي نعيش فيه بأنه عالم تهدده المخاطر المتوقعه وغير المتوقعة وان المخاطر المتوقعة اقل بكثير من غير المتوقع وغير ممكن التوقع لدرجة عدم اليقين.
أن هذه الحقبة ذابت امامها الثنائية الشهيرة بين الخير والشر او الصدق والكذب، وتلاشت فيها الحدود القومية للأزمة و استفحلت فيها الحقيقة الغاشمة للمعاناة. ولعل مايزيد من حجم المعاناة ان يترك الانسان يواجهه مصيره، او هكذا يجد نفسه مسؤول عن امر لم يستشر فيه وهو مايطلق عليه Michel Foucault (الرعاية الذاتية) أو(التنظيم الذاتي) حيث تظهر بوضوح عدم قدرة الهيئات الوطنية وعبر الوطنية على حماية المواطنين من مثل هذه الاخطار او التهديدات وتؤول فيه المسؤولية الى الفردانية.لعل من بين الامور التي تتعلق بالكوارث تراكم الخبرات وما يستقر في ضمير المجتمع من معاناة تدفع الى توخي الحذر مستقبلا من امور لديه خبره سابقة عنها في حين ان المخاطر قد تخرج عن هذا المنطق العقلاني الى المنطق الغير عقلاني والذي لا يمكن توقعه بالاعتماد على ما تم تجريبه، تماما كما حدث مع هذه الجائحة الحالية ( Covid-19 ) فحدوث هجوم ارهابي كان اكثر توقعا من هكذا جائحة. وبالتالي تكون تصرفات المجتمعات اشبه بردود الافعال اكثر من كونها امور مخطط لها سلفا كما تعود العقل الحداثي في تدبير اموره، فيتحول من عبارة الجزم والقطع الى عبارة (يبدو لي) اكثر.
لقد كانت هذه الجائحة بمثابة صندوق باندورا الذي اخرج علينا الكثير من الشر وقدم وجه النظام العالمي الحقيقي الذي تظهر فيه المادية بكافة تجلياتها وتتراجع فيه المبادئ الاخلاقية، ان هذه الردة الانثروبولوجية (للبدائية الاولى) اوضحت مدى هشاشة الانظمة العالمية، فلم تجد بعض الحكومات بدا من التكتم على بعض البيانات وكذلك بعض المعلومات الاحصائية والمعلومات الطبية الضرورية لكسب الوقت وتم تغليب الفكر الامني القومي والصراع الايدولوجي، وتقديس النظام والحفاظ عليه من الانهيار كأولوية مقدمة على اي اعتبارات انسانية، وظهرت تصريحات تقلل من عدد الضحايا المحتمل وتدعو للعودة للانتخاب الطبيعي اذا ما لزم الامر في الوقت الذي ازدادت فيه رائحة الموت المنبعثة من شاحنات الجثث.وهنا نطرح التساؤلات التالية:هل ما نعيشه اليوم في هذه الكارثة هو مجرد البداية لكوميديا سوداء طويلة؟ماهي المفاعيل المحتملة لهذه الجائحة على الحكومات والانظمة الاقتصادية الحالية؟ ماهي السياسات المحلية الجديدة التي ستنشأ عن هذه الكارثة؟اخيرا:عندما يكون عدم اليقين كبيرا جدا لا توجد خطط متاحة لاتخاذ القرارات.
د.محمد فرج رحيل
للفائدة انظر كل من
Beck, U. 1992. Risk society: towards a new modernity Ulrich Beck A Critical Introduction to the Risk SocietyZinn, J. O. 2008a. Social theories of risk and uncertainty
